الزركشي

166

البحر المحيط في أصول الفقه

وعن أبي العباس بن سريج حكاية وجهين لأصحاب الشافعي في النسخ قبل الفعل : أحدهما المنع . والثاني : التفصيل بين أن ينقل من فرض إلى إسقاطه فيجوز لأن الإسقاط حصل فيه الإثبات للتخفيف وهذا الوجه رأيته محكيا في كتاب أبي إسحاق المروزي الذي ألفه في الناسخ والمنسوخ قال باب ذكر نسخ الفرض المأمور به قبل أن يستعمل منه شيء بإسقاطه أو بالنقل إلى غيره . قال أبو إسحاق : لست أحفظ للشافعي في هذا الباب شيئا نصا إلا ما ذكره في بعض المواضع من أن الله عز وجل إذا فرض شيئا استعمل عباده به ما أحب ثم نقلهم منه إذا شاء هذا معناه وليس فيه ما يقتضي الجواز أو المنع لكنه إلى المنع أقرب وقد ذهب بعض أصحابنا إلى جوازه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض عليه خمسون صلاة حيث أسري به ثم رد إلى خمس فصار نسخا قبل استعماله وكذلك قصة إبراهيم في الذبح ونسخ الصدقة عند مناجاة الرسول وعهد النبي عليه السلام مع قريش أن يرد عليهم من جاءه من نسائهم وذلك نقل عما أمروا به قبل استعماله قال أبو إسحاق وهذا كله محتمل والأصح عندي على مذهب الشافعي أنه لا يجوز نسخ الشيء قبل أن يستعمل منه شيء . وأما الانفصال عن جميع ما ذكر على مذهب الشافعي والجواب في ذلك على وجهين : أحدهما أنه لا يجوز نسخ شيء لم يستعمل منه شيء بأي وجوه النسخ كان نقلا من فرض إلى غيره أو من وجوب إلى إسقاط أو من حظر إلى إباحة أو عكسه . والثاني : أن ذلك جائز فيما نقل من فرض إلى إسقاط لأن الإسقاط قد حصل منه الامتنان بالتخفيف وهو المقصود ولهذا قال تعالى الآن خفف الله عنكم فامتن بالتخفيف بعد التغليظ فهذا جائز فأما إذا نقل من فرض إلى مثله أو أغلظ منه فليس ذلك موضع الامتنان ولا المقصد في الأمر الأول إلا فعل ما أمروا به والنقل عن ذلك إلى مثله لا مقصد فيه ينسب إلى الله تعالى فعلا إلا ويكون في ذلك مقصد معتزلي معروف .